بيريسترويكا المجلس الطبي

11/04/2017

 

"بيريسترويكا" كلمة روسية من مقطعين تعني إعادة البناء، وقد دخلت القاموس السياسي العالمي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على يد آخر الزعماء السوفييت ميخائيل غورباتشوف. لكن هذا المصطلح ما لبث أن اكتسب سمعة سيئة، خصوصا عند أنصار المعسكر الشرقي لاتهامهم له بالمسؤولية عن انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن ما أنا بصدده هنا هو المعنى الإيجابي لهذا المصطلح وهو إعادة البناء على أسس علمية سليمة. لقد شكل تأسيس المجلس الطبي الأردني إنجازا وطنيا وخطوة إيجابية على طريق تأهيل الأطباء الأكفاء من خلال التخطيط والتنفيذ والإشراف على البرامج التدريبية التي يشرف عليها المجلس. وما لبث البورد الأردني أن اكتسب سمعه حسنة وصلت إلى دول الجوار، ما حدا بالعديد من الأطباء من خارج الأردن إلى القدوم للمملكة، إما لغايات التدريب أو من أجل التقدم للامتحان للحصول على شهادة البورد الأردني. لكن الضعف بدأ بالتسلل إلى المجلس في السنوات القليلة الماضية، وأصبح هناك من يرى أن المجلس اختصر وظائفه بجزئية واحدة وهي إجراء الامتحان، وحتى هذا الامتحان شابه شيء من الخلل في بعض الدورات، ما انعكس سلبا على مستوى أطبائنا، فأصبحنا نلمس فرقا واضحا في مستوى الأداء والتحصيل خلال امتحان البورد بين خريجي برامجنا التدريبية وخريجي دول الخليج التي كنا متفوقين عليها بمراحل، لكنها استدركت الأمر من خلال بناء برامج تدريبية يضاهي بعضها مثيلاتها في الغرب. كثير من المستشفيات التعليمية تعاملت مع الأطباء المقيمين على مبدأ "اذهب أنت وربك فقاتلا"، دون رفدهم بالبرامج التدريبية المناسبة، فأصبح الطبيب يعتمد على جهده الذاتي، بينما ترى فيه المستشفيات "عمالة ذات كلفة منخفضة"، وأصبحت أعداد المقيمين أكبر بكثير مما يمكن أن تستوعب المستشفيات، فكانت النتيجة على حساب جودة المخرجات. تفاءلت بتعيين الدكتور نضال يونس أمينا عاما للمجلس، وهو القادم من خلفية أكاديمية، وصاحب رؤية قام بالحديث والكتابة عن بعض جوانبها، لكنه بدأ يواجه عقبات كثيرة متوقعة، وهجوما شخصيا من بعض المتضررين من الإصلاح، ومن بعض أصحاب المصالح الضيقة الذين رأوا فيه تهديدا لمكتسباتهم. لا بد من إصلاح شامل للمجلس بعيدا عن سياسة الترقيع، إصلاح يبدأ بالبناء والمرافق التي لا تليق بأهم مؤسسة طبية، ويمتد إلى إصلاح البرامج التدريبية وإعادة النظر فيها تقييما وتقويما، وإعادة النظر بالقوانين الناظمة لعمل المجلس لتواكب التطور الهائل في مجالات التعليم والتدريب، وتوسيع دائرة المشاركة في المجلس ولجانه وعدم حصرها بمؤسسات وأشخاص معينين، واعتماد الكفاءة كمعيار وحيد لذلك. من السذاجة بمكان الاعتقاد أن إصلاح مؤسسة ما يمكن أن يتحقق بمجرد تسنم شخص كفؤ إدارة دفتها، وأنا أعي تماما التوازنات التي تحكم المؤسسات، فطريق الإصلاح وعرة وتعتريها عقبات ومقاومة من أصحاب المصالح ومن الأشخاص الذين استمرأوا السكون في المياه الراكدة ووجدوا في محاولات الإصلاح قفزة إلى المجهول. لذلك، فالإصلاح يبدأ بقناعة المعنيين بخطورة استمرار الأوضاع على ما هي عليه، ثم تكوين نواة صلبة من الأشخاص المؤمنين به كخيار استراتيجي، وتحييد كل من يحاول إعاقته. تزداد أهمية إصلاح المجلس في هذا الوقت الذي أصبحنا نشهد فيه تضاؤل فرص التدريب في الخارج أمام أطبائنا، في حين تعاني بعض القطاعات من نقص حاد في معظم التخصصات. أتمنى للدكتور نضال، ومن معه، التوفيق في وضع هذه المؤسسة على السكة الصحيحة، رغم معرفتي بصعوبة المهمة.